السيد حيدر الآملي

227

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ولا يمكن التجاوز عنه ، لأنّ كلّ شخص يعرف أن الحكيم الكامل في ذاته ، العالم بجميع الأشياء قبلها وبعدها ، لا يفعل إلَّا بمقتضى علمه وحكمته ولا يصدر منه شيء خلاف الواقع ، لا بدّ وأن يتّكل عليه ويرضى بفعله ، حسنا كان ذلك الفعل أو قبيحا ، لأنّ مقام الرضا والتسليم والعلم بعلم ربّه ، وأنّه عالم بحقائق الأشياء كلَّها يقتضي هذا ، ومن حيث إنّ هذا الرضا موجب لرضاء ربّه عنه أشار الحقّ تعالى في قوله وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّه ُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ُ [ البيّنة : 8 و 7 ] . ولهذا ورد في أوليائه الَّذين هم في هذا المقام أعني مقام الرضا والتسليم والتوكّل وعدم الالتفات إلى الماضي والمستقبل ، وقلَّة التعلَّق بالأمور الدنيويّة ، الَّتي تكون هي موجبة للحزن والخوف ، أي الحزن على ما فات والخوف على ما سيجيء ، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّه ِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] . لأنّهم فارغين عن الهمّ والحزن بالأمور الماضية والآتية لعلمهم بعلم ربهم ، وأنّه ما يفعل شيء إلَّا على الوجه الَّذي ينبغي ، ومن هذا قال أمير المؤمنين عليه السّلام : وجدت الزهد كلَّه في كلمتين من القرآن ( 120 ) وهو قوله تعالى :

--> ( 120 ) قوله : وجدت الزهد . كلامه عليه آلاف التحيّة والسلام في نهج البلاغة ( صبحي ) في كلمات القصار الرقم 439 و ( فيض ) و 431 ، هكذا : « الزهد كلَّه بين كلمتين من القرآن : قال اللَّه سبحانه : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) * [ الحديد : 22 ] . ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزهد بطرفيه » .